السندباد الأعمى: قراءة في مكتنفات النصّ - حيدرة أسعد

 



 

قرأتُ رواية «السندباد الأعمى: أطلس البحر والحرب» وكانت لي مجموعة من الملاحظات على هذا النّص، قررتُ الانتظار قليلًا قبل كتابتها لتوخيّ القدر الأكبر من الموضوعيّة. تروي هذه الرّواية قصّة الطفلة نصف المختفية مناير، ابنة نادية الشابة الحالمة بأن تكتب رواية، والتي ترتكب فعلة شنعاء تقلبُ حياة كلّ شخصيات الرواية تقريبًا. تجري الأحداث في تقافز زمنيّ، بين الفترة قبل الغزو العراقي للكويت، ثم فترة الغزو، وليس انتهاءً بالمستقبل. لن تخوض هذه المقالة في تفاصيل القصة بل ستركز على بعض جوانب النصّ (العنوان، الراوي، اللغة، الشخصيات).

 

العنوان: اللازم والمجانيّ

يبادرنا العنوان بتركيبه اللافت، بدءًا بالجزء الأساسي: السندباد الأعمى، وفيه تركيز على الفاعليّة، من خلال كلمة السّندباد؛ بما لهذه الكلمة من مضامين ودلالات سيكون له حيّز كبير في النصّ، لكنّ العطبَ في الرواية يبدأ من عنوانها، فهذا السندباد أعمى، وهنا يكمن التناقض المتواري، فالسّندباد بما يوحيه من قدرة ومغامرة واكتشاف وترحال يقتضي سلامته من الاعتوار، يصبح في روايتنا أعمى، وهذا ما يقودنا إلى تلمّس ملامح التخبّط والتيه المسيطرة على شخصيات النصّ. يأتي العنوان الفرعي: أطلس البحر والحرب، مؤديًّا وظيفة تعريفية عن ثيمة النصّ، فكلمة أطلس المتماكبة مع كلمة سندباد، توحي بتمام المعرفة والإلمام بكافة الحيثيات، ثم كلمتا البحر والحرب، المكوّنتان من الحروف نفسها بترتيب مغاير، تعطيان لمحة عن بيئة المسرح: بحر، وحرب، بما يذكّرنا بالمغامرات والأفلام والمسلسلات الكارتونية.

برأيي الشخصيّ، لم يكن للعنوان الفرعيّ أيّة ضرورة، خاصّة مع سمة المباشرة البارزة فيه، وضعف فاعليته الاستهلالية، وذلك بخلاف العنوان الرئيس الذي انضوى على شحنة رمزية هائلة، تجمع في آن، النوستالوجيا والطفوليّة، في روايةٍ تدين الحربَ والكبارَ في غالبها.

 

اللغة: فصاحة الفراغ

يتلمّس القارئ منذ السطور الأولى علوّ مستوى اللغة، ومع التقدّم في القراءة، سيواجه ضربات متتالية، على وجهه، من اللغة المحتقنة. لا أجد وصفًا أدقّ من الاحتقان. استخدمت الكاتبة عددًا كبيرًا نسبيًّا من الكلمات المعجميّة، بدءًا من الصّفات وانتهاءً بالأفعال. غلب على اللغة في مواضع كثيرة سمة الارتجال، الاسترسال وهذا ما جعل الكاتبة تعيد استخدام بعض الكلمات مرّات عديدة وأحيانًا في مواضع متقاربة، دون أن يكون هذا الاستخدام دقيقًا، بل بدا تجليًّا واضحًا للاوعي الكاتبة. إنَّ لغة الرواية تلائم، بشكلٍ ما، جوَّ الرّواية، سيّما أن معظم الشخصيات مثقفة، ولها اهتمامات أدبيّة وفكريّة. فعلى سبيل المثال لا الحصر استخدمت الكاتبة غير مرة هذه الكلمات: «رجراج، مخضوضر، أقعى، سديم، ميتافيزيقيا» على لسان الراوي الذي لنا معه قصة سنحكيها أدناه.

تركّز الكاتبة في أعمالها عمومًا، على الجانب الوصفيّ، وهذا ما نراه جليًّا في هذا العمل. الوصف كثير، بما يكفي وربّما أكثر، غير أن أسلوب الوصف مُكرَّر بعض الشيئ، ورغم غلبة التداخل غير المبرَّر أحيانًا، بين الشعرنة والحسيّة، بين المجرّد والمجسّد، إلا أنَّ اللغة الوصفية نجحت في مواضع معيّنة في استثارة حواس القارئ، سواء بالنفور أو بالإعجاب.

نقرأ:

«تريد نادية العبور إلى مكانٍ تكتنز فيه الكلمات من فرط امتلائها بالمعنى، حيث الخطيئة خطيئة والحب حب. هل هذا هو ما تريدينه حقًا؟ أن تستعاد الكلمات المهدرة، كلمات تشبه الماء المراق في المزاريب؟ أم أنك تريدين شيئًا آخر؟ جذوة الرغبة تضطرم تحت جلدك وتريدين أن تشعري، لمرة، بأنك امرأة؟» (ص56)

 


الرّاوي: المؤِّلف ديكتاتورًا

إنَّ مأزق الرّواي الذي خبرتُه في «كلّ الأشياء» يتكّرر هنا. ومشكلات هذا الرواي تتلخّص فيما يلي:

(1)                أنه هو بثينة العيسى نفسها.

(2)                أنّه مثقّف/ فيسلوف بأكثر مما ينبغي لراوي أن يكون.

(3)                أنّه يكرّر ما يقوله.

لا أعرف إنَّ كان الرّاوي العليم هو صوت الكاتب حقًّا، أم أنه صوت شخصيّة ظلّية تستمد قيمتها مما تحكيه ومن مقدار مراوغتها، دون أن يكون لها أيّ دور في أحداث النصّ. مع رواية بثينة هذه، والأسبق، أحسست -كوني متابعًا جيّدًا لها- أن الراوي هو بثينة نفسها، طريقته في الكلام والتعبير هي طريقتها، حتّى في إهدار النّكات، وإيجاد العلاقات وبناء السياقات.. وأتساءل هنا؛ هل هذا أمرٌّ صحيّ؟ وإن كانت الإجابة: نعم، فكيف نحكم أن الكاتب كتب نصًّا جديدًا، إنّ كانت أداته الأولى؛ صوت سارده هي نفسها في معظم أعماله.

غير أنَّ لراوي السندباد ميزات من الجحود نكرانها، منها خفّة ظلّه أحيانًا، سعة مخياله، محاورته القارئ، ومعرفته متى يبنغي أن يتوقّف عن الكلام.

 

الشخصيّات: الخفة والثقل

تنقسم الشخصيات في هذا النصّ إلى نوعين، متطرفين للأسف، (أ) غاية في العمق/الفرادة، (ب) غاية في السطحيّة/النمطية.

يمكن إيجاز الحديث عن الشخصيات العميقة بأنّها مضطربة جدًّا، تنداح في رؤوسها أفكار الفلاسفة وإدانات الواقع والتحليلات السياسية والاجتماعية ودائمًا ما تلمع لـ/تخطر لـ/ تفكّر هذه الشخصيات، بعبارات صدّاحة تشي بها للراوي، نقرأ:

«تمضي هدى الساعات متسائلة أيّهم يستحق اللوم فعلًا، دون أن تعثر على جواب، ثمّ تقرر بأنَّ اللوم امتياز الآلهة، وهي لا تقدر عليه». (ص194)

«لم تشعر بالحزن. بالشيء الذي يسمّونه الحزن، لأنها لا تعرفه، فإحساس كهذا هو امتياز الذين يعرفون الحب.» (ص285)

«لكنَّ الخزي ما يلبث أن يرشح من مسامه حتى يصبح الغضب امتيازًا لا حقّ له فيه». (ص131)

 (كم مرة وردت كلمة امتياز في المقتطفات السابقة؟)

أمّا الشخصيات السطحية، فلربّما الجدة على رأسها. أكثرت الكاتبة من إظهار بساطتها عبر تكرار التأكيد على إيمانها بالخرافات والغيبيات وضرورة اتباع العادات والتقاليد المتوارثة خاصة المتعلّقة بالنساء، كان الراوي يستبطنُ السخرية تجاه هذه الشخصيّة، رغم محاولته إظهار السُّلطة التي تمتلكها الجدة على باقي أفراد العائلة بصفتها الأكبر سنًّا، وقد جاءت حادة الطّباع، كثيرة الشتم واللعن، ومواظبة على الحوقلة.

كانت شخصيّة عامر في مرحلة من المراحل غاية في السطحية، خاصة في تلك المرحلة المعتادة التي أعقبت فعلته مع نادية، فنراه يكثر السُّكر والشرب والعربدة، تمامًا مثلما ينبغي، وتمامًا عكس ما نتوقع، كقرّاء.

نقرأ:

«هذه هي خلاصة تأمّلات عامر منذ تلك الليلة؛ أنَّ كلًّا منا صخرة أخيه وأنَّ هذا هو جوهر العلاقات النّاصع، وأنَّ كلّ شيء ملوّث». (ص181)

«منذ عشر سنوات، قرَّر عامر أن ينسى نادية. أن يكون.. عقلانيًّا، أن يمنطق عاطفته ويخضعها لقانون الممكن والمستحيل». (ص35)

 

أما الشخصية الأثيرة لي، فهي بلا شكّ مناير، وأظنّها واسطة العقد في شخصيات العمل، كانت الفصول التي تتكلّم عنها مرهفة وحسّاسة وجميلة، بلغةٍ ومنطقٍ يتناسبان مع الطفلة، وقد أجادت الكاتبة تقمّص صوتها بلا شكّ.

نقرأ:

«فكّرت [مناير] بأن أمها لم توجد قط، رغم أنها ما زالت قادرة على تنشّق رائحتها؛ رائحة قطنية، معتقة وقديمة، تلتصق ببشرة القلب. شرّعت مناير الدواليب ولم تجد فيها ما يخصّ نادية، وأحسّت بشيءٍ صلب يشبه الحجر، ينبت أعلى حلقها ويسدُّ منفذ الكلام، ولم تعرف أيّة كلمات تطابق الشيء الذي يجيش داخلها، طوفان يعلو من أمشاط قدميها وحتى عينيها. بحرٌ برمته يولد. صارت تهيم في الحجرات، تضغط مفاتيح الإضاءة وتتجوّل مثل روح هائمة، شبح من الماضي يحاول العودة إلى حياته، ليجدّ أن حياته لم توجد إلا في خياله». (ص109)

 كلّ ما قيل هو ملاحظات ذاتيّة، لا تقلل من الجهد الواضح في كتابة هذا النّص، ولا شكّ بأنّ هذه الرواية فيها ما يستحق الوقوف عنده تحليلًا وتأويلًا، وربّما من أكثر الأسئلة التي كانت تخطر لي في الرواية؛ أليست الكويت، محتلةً، هي نادية؟ أم تراها مناير؟ وما أوجه الالتقاء بين كلّ من عامر ونوّاف من جهة وصدّام من جهة أخرى؟ هل ثمّة ما ينتهي حقًّا؟ ومتى ندرك أن العالم فقد نقاءه، إنّما إلى الأبد؟

تعليقات

المشاركات الشائعة